ابن حمدون

165

التذكرة الحمدونية

في مواطن ، فخرجت من بلادي وهم على ذلك . فلما أخبره الخبر قال : جرّدوه ، فإذا هو مختون . فقال : هذا واللَّه الذي أريت لا ما تقولون ، أعطه ثوبه ، وانطلق لشأنك . ثم دعا صاحب شرطته فقال : قلَّب لي الشام ظهرا وبطنا حتى [ تأتيني ] برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه . فو اللَّه إني لبغزّة إذ هجم علينا ، فسألنا : من أنتم ؟ فأخبرناه ، فساقنا إليه جميعا ، فلما انتهينا إليه - قال أبو سفيان : فو اللَّه ما رأيت من رجل قطَّ أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأقلف - يريد هرقل - فلما انتهينا إليه قال : أيّكم أمسّ رحما به ؟ فقلت : أنا ، فقال : أدنوه مني ؛ فأجلسني بين يديه ، ثم أمر أصحابي فأجلسهم خلفي وقال : إن كذب ، فردّوا عليه . فقال أبو سفيان : لقد عرفت أن لو كذبت ما ردّوا عليّ ، ولكني كنت امرءا سيّدا أتكرّم [ عن أن ] أكذب ، وعرفت أنّ أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عليّ ، ثم يتحدّثوا عني بمكَّة ، فلم أكذبه . فقال : أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم ؛ فزهّدت له شأنه ، وصغّرت له أمره ، فو اللَّه ما التفت إلى ذلك منّي وقال : أخبرني عمّا أسألك عنه من أمره . فقلت : سلني عمّا بدا لك . فقال : كيف نسبه فيكم ؟ فقلت : محضا من أوسطنا نسبا . قال : فأخبرني ، هل كان في أهل بيته أحد يقول مثل قوله ، فهو يتشبّه به ؟ فقلت : لا ، قال : فأخبرني ، هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه ، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه ؟ فقلت : لا . قال : فأخبرني عن أتباعه ، من هم ؟ فقلت : الأحداث والضعفاء والمساكين ، فأما أشراف قومه وذوو الأسنان منهم فلا . قال : فأخبرني عمّن يصحبه ، أيلزمه أم يقليه ويفارقه ؟ قلت : قلّ ما صحبه رجل ففارقه . قال : فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه ؟ فقلت : سجال ؛ يدال علينا ويدال عليه . قال : فأخبرني هل يغدر ؟ فلم أجد شيئا أغمز فيه إلا هي ، فقلت : لا ، ونحن منه في هدنة مدّة ، ولا نأمن غدره ، فو اللَّه ما التفت إليها منّي . فأعاد عليّ الحديث ، فقال : زعمت أنّه من أمحضكم [ نسبا ] وكذاك يأخذ اللَّه النبيّ إذا أخذه فلا يأخذه إلا من أوسط قومه .